Type Here to Get Search Results !

الموتى لا يطرقون الابواب

 


قصة قصيرة

مرتضى المنان _ العراق

على أية حال، وصلت إلى زقاقنا، تماماً بعد غروب الشمس، لا أتذكر إن كان هذا هو باب البيت أو بدل بباب أخر. ربما لا تدركون بأن الموتى لا يطرقون الأبواب. لم يكن الباب مفتوحاً أو أنني تسلقت الحائط، لست شبحاً كل ما في الأمر كنت أدرك أن لا أحد يراني و يشعر بوجودي فحسب، فأنا منذ عشرين عاماً وأربعة شهور وخمسة أيام وعلى تقويم واقعي مت بساحة حرب. 

نعم أتذكر جندي القناص الذي أرداني قتيلاً عند صخرة كبيرة في قلب الوادي، فملامحه مازالت عالقة في ذهني، لذلك العشر من الثانية، لم تكن المسافة فيما بيننا بعيدة. لقد أنتشى بحرارة الرصاصة التي استقرت وسط جبيني، إذ رأيت ابتسامته ولمعان أسنانه. رحمني الله ورحم ذلك الجندي القناص الذي قتل فيما بعد بقصف مدفعي. لقد رأيته بمكان ما في عالم البرزخ وقد فقد بعض أطرافه، سلم علي بود، وراح يتحدث بفخر عن تصويبته المتقنة، كل ما في الأمر قبل جبيني، وتعاطف معي كما لو انه أم رؤوم، ثم راح يسأل القادمين من قتلى الحرب عن عينه التي يقتنص بها.

لم أكن بشوق لعائلتي، فقد وجدت ابني الصغير يكبرني بعام واحد عن عمري الذي قتلت فيه. زوجتي التي كنت أكبرها بأربعة أعوام، صارت تكبرني بستة عشر سنة. أما والدي فقد لحق بي منذ عام تقريبا. لكنه لم يعر أهمية لوجودي هناك. لا أعرف لكنه أنشغل بدفاتر وكتيبات تخصه هو شخيصا. 

عندما دخلت البيت كانت زوجتي تكلم أحد أحفادها لا أدري عن أي شيء تتكلم، ربما عن فروض مدرسية او امور لا اعرفها.

كان كل شيء في هذا البيت قد تغير، ما عدا صورتي التي بان عليها القدم. أتذكر تلك الصورة والمنظر الذي كان خلفي، السوق وتلك المنارة الشاهقة على ضريح يتربع على تل يحمل اسم النبي يونس في منطقة سنجار بمدينة الموصل. كانت الأزقة ضيقة جدا وملتوية كقوقعة حلزون بحري. جميعها تؤدي صعودا الى باب الضريح، ونزولا إلى شارع السوق الكبير. أصوات تصدح بحناجر الباعة المتناغمة بمطارق الصفارين. عربات تجرها بغال، رأيتها للمرة الأولى في حياتي. لم تكن وجوههم تشبه سحنتنا نحن أهل الجنوب. 

كان صديقي الايزيدي أحدهم، وهل ذاكرتي تنسى يوسف؟.

في تلك الظهيرة التي يفترض بها أن استغل الوقت لكي اصل لمرآب الجنوب حيث حافلات العاصمة بغداد. طلب مني يوسف أن اقف أمام المصور الذي يتجول في الشارع والذي يسمونه بلغتهم "يناكر". ارتديت زيا كرديا ، ووقفت قبالة الكاميرا. لم ار يوسف بعد وميض الكاميرا، فقد تبادلنا الأمكنة العسكرية، يوسف اصبح جندي الجنوب وانا جندي الشمال.

تركت الصورة بزيها الكردي وصعدت إلى غرفتي في الطابق الثاني. كان كل شيء كما تركته، اقصد مكتبتي. رحت ابحث بين الكتب عن أوراق تركتها، مسودات لانصاف قصص وعنواين وعتبات. ثمة فصل لرواية حرب لم اكمل كتابتها زمنذاك. ورواية أخرى كثيرة الاخطاء، لغة واملاء. حاولت أن أكمل قصة الطير البعيد، أو رواية حب على تل قمامة لكنني عجزت عن كتابة حرف واحد.

ربما الموتى لا يجيدون التدوين؟.

سأجرب القراءة ، هكذا قلت بسريرتي المتهالكة. لكنني قرأت قبل قليل ما كنت قد كتبته قبل موتي. اعجبتني الفكرة. رحت ابصر بأسماء الروايات واحدة تلو الاخرى. البعض منها لم اكن قد قرأتها. 

دخلت زوجتي بشكل طبيعي وانا اقلب برواية السقطة للبير كامو، ولأنها لا تدرك وجودي، استلقت على السرير ثم اخذت صورة زواجنا. مسحتها بحجابها الاسود وراحت تكلم نفسها: كم كان يوما جميلا (تقصد يوم زواجنا) في مثل هذا اليوم، دخلنا هذه الغرفة وكان البرد شديدا، ألا تذكر عندما كنت ارتجف خائفة؟ في تلك الليلة، تعذرت من البرد فأخذتني بين ذراعيك، احسست حينها بالدفئ، ألا تذكر؟.

كانت تكلم الصورة كما لو أنها تكلمني. نظرت إلى عينيها الغارقتين بالدمع، أحسست أن رغبتها في البكاء بدأت توا. اقتربت منها أكثر، تمددت على السرير بجسدي اللامرئي بالقرب من جسدها. اه لو أنها تدرك وجودي كما كانت تدركه ليلة زفافنا. أحسست بغفوتها وهي تغط بالنوم. مشطت شعرها الابيض باصابعي ولم أغادر البيت كما هي العادة عند كل الموتى حين يأتون ليلا ويغادرون عند الفجر.

في الصباح وبينما كنت قد تأخرت بعض الوقت على العربات التي تقل الموتى لقبورهم. سمعت زوجتي وهي تقص حلم ليلة البارحة على اولادنا واحفادنا. سأل احد الأحفاد متى تزوجتما انت وجدي؟.

سأل الاخر وكيف مات؟.

قالت الجدة.. تزوجنا ليلة البارحة، حيث كان يمشط شعر رأسي بأصابعه، لكنه مات بالحرب.