قصة قصيرة
مرتضى المنان- العراق
الذاكرة خصبة..
الدراجةالهوائية"البايسكل"، كما يسميه عمال الموانئ. المصلحة العامة للمونئ العراقية. والدي كان أحد عمالها الشاحبين بالسمرة، وكان يعمل" حدقجي". أركب بين ذراعيه بقدمين متدليتين، وبوضعية جانبية " كلص". صباح الجمعة يأخذني معه إلى كنيسة تريزا الصغيرة. ففي موسم قصاص النخل، يأخذ المنجل والمسحاة والعقفة، والتي كان يقلب قافها إلى كاف أعجمية ليقص بها سعف النخل.
يطالس القس النحيف بكف فلاح خشنة، ثم يقبله بكلا خديه، يفرك القس فروة رأسي من دون أن يقبلني، ثم يمسك الحدقجي مسحاته ويشحذ كرفتها بمبرد عريض لينظف الاشواك التي تتكاثر في أطراف اسيجة كنيسة تريزا الصغيرة. كان كثيرا ما يعتني بالورود، التي يزرعها في السنادين المفخورة، كورد الجوري والياسمين وملكة الليل السوداء وغيرها من الورود الجميلة.
ذات صباح قال لي القس هوبي، "أنها تمطر وردا إذا ما حبست السماء امطارها".
لم اكن أعرف من هي تريزا، بل كنت أظن أن للقس ابنة اسمها تريزا. بينما والدي الذي يصلي صلاة الظهر داخل الكنيسة قبالة الصليب، ولم يقم صلاته بالحديقة، صاح بي ضاحكا..
"هووووي ولك هوبي اعزب". وهل انا اعرف يومها تريزا حتى أعرف ما معنى الاعزب.
رحم الله والدي..
عندما بلغت الاربعين، دعاني صديقي مرام لحضور قداس الاحد وذلك بمناسبة خطوبته من فتاة الكنيسة، ليس تريزا طبعا. لم أنس وجه هوبي، بل لم تغير الحياة ملامح وجهه كثيرا عن ذاكرتي. أما انا صاحب الذاكرة الخصبة، فقد حركت ذاكرة القس إلى الوراء وراح يمتدح والدي كثيرا.
في نهاية الحفل، أخذني بين ذراعيه وضمني إلى صدره النحيف. عند الباب الرئيس لكنيسة تريزا الصغيرة، صاح بي كما لو انه يقلد صوت ذلك الحدقجي والدي.. هووووي .التفت إلى الوراء، وكان يمشي ورائي بخطوات بطيئة..
ابتسم بوجهي وقال لي..
يبن الحدقجي لقد نسيت شيئا..
............؟
لم تسألني عن ابنتي تريزا، ضحكنا، والأصدقاء لكننا بلغنا الأربعين .

تابعنا على