Type Here to Get Search Results !

زائر القرية

بقلم: مرتضى المنان

قصة قصيرة

تشابهوا علينا، لم نعد نميّز أيّهم كان مدير البلدة الذي زارنا بصحبة ابنه الصبي. في ذلك المساء الجميل، كنا على علمٍ مسبقٍ بالزيارة. استعدت قريتنا قبل يومين، وارتدى شيوخها أفخر ما لديهم من ثياب، بينما وقفت النساء يراقبن من بعيدٍ وقريب. قيل إن الجزار نوري العكرف جزّ عشرة خراف أو يزيد. أما الخروف ذو القرنين الكبيرين فسيُذبح تحت قدمي مدير البلدة.

كنت أنا والصبية ننتظر قدوم السيارات الفارهة ذات الدفع الرباعي على سدّة الري الترابية غير المعبّدة. وكانت كلاب القرية ترافقنا بنباحها المتواصل. من بعيد، رأينا أضواء السيارات تمتدُّ نحونا، تضيء رؤوس نخيل القرية وأشجارها، وتكشف سطوح بيوت الطين. ربما كان عدد السيارات يتجاوز الثلاثين. ركضنا أمامها وخلفها، نُصفّق ونُهلّل، ونلمس مقابض الأبواب المحكمة الإغلاق. نزل الموكب وهو ينبّهنا بمنبهاته الصاخبة. توقفت السيارات عند مضيف القرية، ونزل الجنود، فأحاطوا بالمكان من كل جانب، مما أحبط آمال نساء القرية في رؤية المدير عن قرب. جزّ نوري الخروف تحت قدميه. كان مدير البلدة شاباً وسيماً مترفاً، لكن عينيه كانتا منزعجتين، وكان ينظر إلى وجوه الجالسين في المضيف بغرابة وتعفف.

أول سؤال له كان عن سدّة الري التي لم تُعبَّد بالإسفلت منذ فيضان الأهوار. هذا ما كرره سياسي قبله. ثم تابع حديثه بجدية بالغة عن خدمات حلمنا بها من سياسيين سابقين زاروا القرية ولم تتحقق.

همس ابنه الصبي في أذنه يريد قضاء حاجته. فأخذه أحد رجال القرية بين أشجار السدر، ثم أوصله إلى أحد الشوافي. لم يطلب الصبي مرحاضاً، بل اكتفى بطاعته للرجل. كنا ننظر إليه من بين أعواد القصب وهو يخلع بنطاله، والرجل واقفٌ قريبٌ منه. تأخر في جلسته، وكنا نسمع فحيح أنفاسه، ونكتم ضحكاتنا بأكفّنا. انتهى الصبي من مهمته الصعبة، نظر إلى وجوهنا السمراء الشاحبة، ابتسم ورفع يده تجاهنا. توجّهنا نحوه وأحطناه من كل جانب. قال للرجل الذي رافقه:

"أريد أن ألعب مع الصبية".

أوكل الجنود أحدهم لمراقبته، لكن الجندي انشغل بأكله، مثل بقية الجنود الجائعين، وأخذ يلتهم اللحم. ابتعدنا بالصبي إلى برك الماء، وأخذنا نتراشق بالطين، ونقفز في الماء، وكان الصبي أكثرنا مرحاً ولهواً. ثم أخذ يلطخ وجوهنا بالطين، ونلطخ شعره الأشقر الذهبي، وهو يضحك بصوت عال.

أحدنا اقترح ركوب القوارب. فأخذنا المرادي والمجاديف، وبدأنا ندفع حتى ابتعدنا عن القرية ولم نعد نرى مصابيحها الخافتة. خلعنا ملابسنا، وخلع الصبي بدلته الزرقاء التي لم تعد زرقاء. كان جسده أبيض تحت ضوء القمر المنعكس على ماء النهر. كان يرى طيور البيوضي والكراكي واللقالق ودجاج الماء تطير فزعة من أعشاشها، بين آجام القصب والبردي، وهو يصرخ فرحاً كلما اقترب جاموس من قاربنا. لمس أحدها من ظهرها. تسلّق أحد الصبية على ظهر جاموسة وهو يصيح ويشير للصبي أن يصعد معه. اصطدنا له لقلقاً وثلاث دجاجات وكركياً. ثم نزلنا على "چباشة" أعدت كمنصة صيد تركها صيادٌ منذ قليل، ربما ذهب هو أيضاً إلى وليمة الزائر. إذ كان الجمر الذي تركه لا يزال متوهجاً. ألقينا بعض الحطب وأشعلنا النار في الكانون. تعالت ألسنة اللهب وتطاير الشرر مع قفزات الصبية. أحضر أحدنا سمكة كبيرة، شققنا ظهرها وأخرجنا ما فيها. أمسك صبي المدير ببيوض السمكة اللزجة وأخذ يفرقعها كالبالونات. ثم لعبنا لعبة "الروت" و"أم حچيم". أكلنا السمكة كوليمة لا تشبه وليمة الزائر من دون خبز، رفع الصبي جلدها ووضعه على وجه أحدنا ونحن نضحك. لم يكن في خلدنا أسئلة أو لم يكن الصبي يسأل أي أحد منا. هذا كل ما في الأمر حتى أدركنا الفجر، سمعنا أصواتاً تنادي بأسمائنا، ثم رأينا قوارب الفايبرغلاس العسكرية الصنع، وأبلام آبائنا تبحث عنا في أنهار الأهوار.

لم يكن الهروب من سطوة الآباء مجدياً، فكل ما حول "الچباشة" التي كنا نلعب عليها هو الماء.

نسيت، ونسينا تلك الصفعات التي تلقيناها من آبائنا، لكننا لم ننسَ وجه الصبي المرح الذي راح يحكي لأبيه مدير البلدة عن تلك المغامرة الشيقة. تركنا الصبي وهو يرقص لأبيه عارياً، يحمل بيده بدلته الزرقاء الملطخة بالطين. يرفع بيده إلينا من وراء زجاج السيارة بينما دموعنا ما زالت ملتصقة على خدودنا المالحة. ترى لماذا نبكي، هل أننا بكينا على فراق الصبي، أم أن صفعة الآباء كانت درساً سياسياً لم نعيه في أيام صبانا؟.