بقلم/ نغم مكي
في صندوق الذاكرة الذي لم يُغلق، أبحث عنك فيه، أبعثر هنا وهناك لفوضى عقلي، عن آخر يوم رأيتك فيه. صوتك يعلو، يصدح عالياً في أذني: "أنا هنا، أين أنت؟" لا أجدك! يعمّ الهدوء، يتلاشى كل شيء، تختفي من جديد كأنك لم تكن!
صرير الأبواب الصدئة يختلط بدموع أمي المنهمرة لغيابك الطويل، وتنهدات أبي المكتومة عليك لم تنتهِ. تغيّرت ملامحنا، تغيّر كل شيء فينا حين غبت، حتى المكان تركنا وغادر...
تشمّ أمي قميصك، كيعقوب النبي لفراق يوسف، لعلها تستردك. تخنقني حسراتها ونحيبها المستمر، وهي تقف على باب غرفتك تتأمل صورتك، وعجز أبي عن فعل أي شيء. غيابك، يا عبد الرحمن، كسر ظهورنا ولوى أذرعنا. فرحتنا بزفافك تلاشت سريعاً، حتى سعف النخيل المثبت على بابنا لم يجف.
في مرة رأيتُ شبيهاً لك، لم أستطع حبس دموعي، فأجهشت بالبكاء. كتمت صوتي بعيداً عن الجميع كي لا يروني في هذه الحالة، وأخنق تنهداتي عليك بكلتا يدي. بلغتُ الثامنة عشرة، وكل آمالنا بلغت معك.
آخر مرة شاهدتك وعانقتك، لم يعلمني قلبي أنها المرة الأخيرة. وداعك بلا أثرٍ للقاءٍ ثانٍ. كنتَ تشتكي من عملك الذي يبعدك عن عروسك، وتتعبك ساعات الانتظار من الأعظمية في بغداد، تعدّ الدقائق والثواني لتصل إلى الأنبار في رمضان، ولحظات العطش والجوع. اختفيتَ، ومنذ حينها لم يَرْوِ ريقَنا أي ماء عذب!
تساءلت كثيراً: أين أنت؟ أكان وداعك سراباً؟ لم يكن وداعاً، بل وعداً بأن نلتقي بعد أسبوع، لكن طال الأسبوع لشهور وسنين. رحلة البحث عنك طويلة وشاقة، كتلك السنين التي فرّقتنا وقطعت طرقنا.
أتذكر يا عبد الرحمن فترة الحرب العراقية الإيرانية وتركَنا مدينة النخيل والنفط؟ نزحنا إلى الأنبار ومكثنا فيها لسنوات. لا تذكر، حينها كنت طفلاً لا تفقه من صوت الصواريخ والإطلاقات النارية شيئاً.
مرت السنين كعود ثقاب رُمي في كومة قش. كبرنا، وبات تحمّل المسؤولية واجباً علينا. ثم عملتَ في شركة مقاولات في بغداد، الأعظمية، والفرق بين الأنبار وبغداد ساعتان، تعود في نهاية كل أسبوع إلى الأنبار. ثم زواجك، وحثّنا لك على العودة إلى الأنبار، وتأزم الوضع، وخوفنا عليك، وإصرارنا على ترك العمل.
يومها أوصلتُك إلى كراج السيارات، ووعدتَني، ولم أعهدك تخلف وعداً!
لم أنسَ يوماً وجهك، وأناقتك، وارتداءك قميصاً بني اللون مخططاً، وبنطالاً كاوبوي، تحمل حقيبتك الرصاصية كما يحمل قلبي وجع عدم رؤيتك! بحثنا عنك في كل شوارع المدينة وأقضيتها ومكان عملك، لم نترك بقعة تعتب علينا في تقصي أثرك.
بعد اختفائك، ذهبنا إلى الشركة التي عملتَ بها، فأخبرونا بنزولك في منطقة وقوف السيارات، وهي منطقة معزولة وحلقة وصل بين منطقتين قرب الجسر. لم نجد لك أي أثر. بلغنا مركز الشرطة في بغداد، وبلا نتيجة. لم نبحث في مناطق أخرى لصعوبة وتوتر الوضع الأمني وقتها.
بعد سنة، قررنا العودة إلى البصرة، وما زال جيراننا يسألون عن عبد الرحمن، فلا إجابة نملك غير الحسرة.
أضع يدي على جبيني، لعلي أسترد شيئاً لم أفقه به. أطيل النظر في صورتك، ثم أسمع صوت خطوات تحذو بقربي. أراك تبتسم. أعانقك طويلاً، وأتمعن في عينيك: لقد كبرتَ وطالت لحيتك!
صوت آخر يهمس باسمي: "حيدر..."
أستيقظ، وعيناي شبه مغمضتين. تعاود اختفاءك بلا أثر.
تابعنا على